لم يعد مستقبل غزة مجرد مسألة تتعلق بإنهاء الحرب، بل أصبح قضية محورية في رسم ملامح النظام السياسي للشرق الأوسط، بحسب الدكتور إسماعيل أدارامولا، كاتب المقال المنشور في ميدل إيست مونيتور. وترتبط الدبلوماسية وإعادة الإعمار وإقامة الدولة الفلسطينية بأبعاد لا تنفصل عن التحدي الجيوسياسي نفسه.


ووفقًا للمقال، أفادت الأمم المتحدة، حتى سبتمبر 2026، بأن وقف إطلاق النار في غزة، الذي بدأ في أكتوبر 2025، لا يزال هشًا، بينما لم تُنفذ الترتيبات الانتقالية التي نص عليها قرار مجلس الأمن رقم 2803 لعام 2025 بصورة كاملة. وشددت الأمم المتحدة أيضًا على أن تعافي غزة وإعادة إعمارها لا يمكن فصلهما عن المسار السياسي الأوسع، وعن إعادة توحيد غزة والضفة الغربية تحت حكومة فلسطينية شرعية.


وعلى مدار السنوات الماضية، ركزت الدبلوماسية الدولية بدرجة كبيرة على وقف إطلاق النار، وإطلاق سراح الرهائن، والمساعدات الإنسانية، ومنع اتساع نطاق التصعيد الإقليمي. ولا تزال هذه الملفات أساسية، لكنها لا تستطيع وحدها حل جوهر الصراع السياسي.


ويبرز سؤال دبلوماسي محوري بصورة متزايدة: ما النظام السياسي الذي ينبغي أن ينشأ بعد حرب غزة؟


وتحتاج عدة قضايا إلى التوفيق بينها، من بينها المخاوف الأمنية الإسرائيلية، وحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، وإعادة إعمار غزة، ومستقبل حماس والفصائل المسلحة الأخرى، ودور السلطة الفلسطينية، وترتيبات الأمن الدولية، ووصول المساعدات الإنسانية، والمفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، والإطار الدبلوماسي العربي والدولي الأوسع.

 


إعادة إعمار غزة تتجاوز بناء المنازل والمستشفيات


لا ينبغي النظر إلى إعادة الإعمار باعتبارها مجرد إعادة بناء المنازل والمستشفيات والطرق، بل تشمل أيضًا إعادة بناء المؤسسات والقدرة الاقتصادية والثقة العامة والشرعية السياسية.


ويتطلب حجم الدمار جهودًا دولية منسقة لإعادة الإعمار، بمشاركة المؤسسات الفلسطينية والدول العربية والمؤسسات المالية الدولية والأمم المتحدة والجهات المانحة الكبرى.
 

وتشمل الأولويات العاجلة توفير السكن والمياه والصرف الصحي والرعاية الصحية والكهرباء والتعليم والأمن الغذائي، إلى جانب إزالة الأنقاض والذخائر غير المنفجرة، واستعادة الخدمات المصرفية وفرص العمل والإدارة العامة. وشددت الأمم المتحدة على أن إزالة الأنقاض وإدارة مخاطر المتفجرات وحقوق السكن والملكية، وإتاحة مواد إعادة الإعمار، وتوفير تمويل موثوق، تمثل شروطًا أساسية لبدء إعادة إعمار واسعة النطاق.


وتوضح التداعيات التعليمية حجم التحدي. فقد أفادت رويترز في سبتمبر 2026 بأن نحو 98% من مدارس غزة تعرضت لأضرار أو دُمرت، فيما حُرم مئات الآلاف من الطلاب من الانتظام في التعليم داخل الفصول الدراسية. ومن ثم، لا تقتصر إعادة الإعمار على كونها مشروعًا اقتصاديًا، بل تشكل كذلك مشروعًا لبناء مؤسسات الدولة.


وتتعلق إحدى أكثر القضايا تأثيرًا بمسألة الحكم. ويؤكد الإطار الذي تطرحه الأمم المتحدة ضرورة إعادة توحيد غزة والضفة الغربية في نهاية المطاف تحت حكومة فلسطينية واحدة وشرعية، كما يشدد على ألا تؤدي الآليات الانتقالية إلى إنشاء مؤسسات موازية دائمة تعمل على تفتيت الحكم الفلسطيني.


ويحتاج أي ترتيب مستدام لما بعد الحرب إلى الربط بين الإدارة الانتقالية، وتعزيز القدرات المؤسسية الفلسطينية، وإعادة التوحيد السياسي، ووضع مسار موثوق نحو إقامة الدولة الفلسطينية. ومن هنا، تظل السلطة الفلسطينية عنصرًا مهمًا في النقاشات المتعلقة بالمستقبل السياسي لغزة.
 

وفي الوقت نفسه، تواجه السلطة الفلسطينية تحديات مالية ومؤسسية كبيرة. ولذلك، ينبغي للمساعدات الدولية أن تعزز المؤسسات الفلسطينية الشفافة والخاضعة للمساءلة والفعالة، إلى جانب تطوير البنية التحتية المادية.
 

 

غزة تعيد تشكيل الدبلوماسية العربية


تعمل أزمة غزة كذلك على إعادة تشكيل الدبلوماسية العربية. وتظل مصر ذات أهمية استراتيجية بسبب علاقتها الجغرافية بقطاع غزة ودورها الممتد في الدبلوماسية الفلسطينية. كما اضطلعت قطر بدور مهم في الوساطة، بينما ربطت السعودية بصورة متزايدة بين إقامة الدولة الفلسطينية والدبلوماسية الإقليمية الأوسع، وحافظت تركيا على تركيز دبلوماسي قوي على حقوق الفلسطينيين وإقامة دولتهم.


وفي أغسطس 2026، أصدر وزراء خارجية تركيا ومصر وإندونيسيا والأردن وباكستان وقطر والسعودية والإمارات بيانًا مشتركًا بشأن خارطة طريق غزة وإقامة الدولة الفلسطينية. وفي 21 سبتمبر، اجتمعت الدول نفسها على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، ودعت إلى تنفيذ الالتزامات المتعلقة بالمساعدات الإنسانية والتعافي المبكر. ويعكس ذلك انخراطًا دبلوماسيًا جماعيًا أكبر من جانب الدول العربية والدول ذات الأغلبية المسلمة.


وتزايد حضور إقامة الدولة الفلسطينية في صدارة الدبلوماسية الدولية. وخلال اجتماع أممي رفيع المستوى في سبتمبر 2026، جدد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش موقف المنظمة القائم على أن حل الدولتين ينبغي أن يتيح لإسرائيل وفلسطين العيش جنبًا إلى جنب على أساس حدود ما قبل عام 1967، على أن تكون القدس عاصمة للدولتين.


ولا تحتاج الدولة إلى الاعتراف الدبلوماسي وحده، بل تحتاج إلى حكومة فعالة، واستمرارية إقليمية، واقتصاد قابل للحياة، ومؤسسات عاملة، وسيطرة على الخدمات العامة، وترتيبات أمنية، وعلاقات دبلوماسية دولية، وإمكانية الوصول إلى التجارة والتمويل، وشرعية سياسية.


ولذلك، لا يمكن التعامل مع غزة باعتبارها مشكلة جغرافية منفصلة، إذ يرتبط مستقبلها بصورة مباشرة بمستقبل الضفة الغربية والقدس الشرقية.


ولا تستطيع إعادة إعمار غزة وحدها إنتاج تسوية سياسية فلسطينية شاملة. وتشير أحدث تقييمات الأمم المتحدة إلى استمرار التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين والتهجير والضغوط المؤسسية في الضفة الغربية.


ويطرح ذلك معضلة جيوسياسية كبيرة: هل تستطيع الدولة الفلسطينية الحفاظ على قابليتها للحياة سياسيًا وجغرافيًا إذا ظلت غزة والضفة الغربية منفصلتين؟


وترى الأمم المتحدة أن غزة والضفة الغربية ينبغي أن تظلا مترابطتين سياسيًا واقتصاديًا وإداريًا. وبالتالي، سيتعين على أي إطار دبلوماسي جاد أن يتعامل في نهاية المطاف مع الضفة الغربية بالتوازي مع غزة.


وتظل واشنطن طرفًا محوريًا في المعادلة الدبلوماسية، بسبب علاقتها بإسرائيل ونفوذها الإقليمي الأوسع ودورها في إطار غزة. وفي الوقت نفسه، تسعى دول أوروبية ودول عربية وتركيا وأطراف دولية أخرى إلى تعزيز نفوذها في رسم المستقبل السياسي لفلسطين.


وتصبح البيئة الدبلوماسية الناتجة عن ذلك أكثر تعقيدًا من مجرد مثلث إسرائيلي أمريكي فلسطيني، وتتطلب تنسيقًا بين الدول والمؤسسات الفلسطينية والأمم المتحدة والمؤسسات المالية الدولية.

 


إعادة الإعمار ومسار الدولة الفلسطينية


ينبغي أن تمر إعادة إعمار غزة عبر ثلاث مراحل مترابطة: الإغاثة الإنسانية، والتعافي المبكر، ثم إعادة الإعمار والتنمية على المدى الطويل. وينبغي أن تسير هذه المراحل بالتوازي مع الانتقال السياسي، وترسيخ المؤسسات الفلسطينية، وبناء الدولة. ومن دون البعد السياسي، قد تتحول إعادة الإعمار إلى مجرد إدارة مؤقتة للأزمة.


وقد تسهم قضية غزة في إحداث تحولات عدة في جيوسياسة الشرق الأوسط، دون أن يكون أي منها نتيجة محسومة سلفًا. وتشمل هذه التحولات زيادة التنسيق الدبلوماسي العربي، وتعزيز الطابع الدولي لقضية إقامة الدولة الفلسطينية، ونشوء دبلوماسية لإعادة الإعمار تضم الدول العربية والحكومات الغربية والمؤسسات المالية الدولية، وزيادة الضغوط من أجل إقامة حكم فلسطيني فعال وخاضع للمساءلة، إلى جانب احتمال تجدد مسار دبلوماسي لحل الدولتين إذا تقدمت جهود إعادة الإعمار وترتيبات الحكم والأمن بصورة متزامنة.


وفي المقابل، قد يؤدي استمرار العوائق السياسية أمام إعادة الإعمار إلى بقاء غزة والقضية الفلسطينية الأوسع مصدرين لعدم الاستقرار والاستقطاب الإقليمي.


ويلخص تقييم الأمم المتحدة الصادر في سبتمبر 2026 هذا الترابط الأساسي: لا يمكن التعامل مع التعافي في غزة، واستقرار الضفة الغربية، والحفاظ على المؤسسات الفلسطينية، والتقدم نحو حل الدولتين باعتبارها مشروعات منفصلة.


وإذا نجحت الدبلوماسية في الربط بين وقف إطلاق النار وإعادة الإعمار والحكم والتعافي الاقتصادي وإعادة توحيد الصف السياسي الفلسطيني وإقامة الدولة، فقد تصبح غزة مسارًا نحو تسوية إقليمية أوسع.


أما إذا ظلت هذه العناصر منفصلة، فقد تظل إعادة الإعمار مؤقتة، وتواصل الدبلوماسية إدارة أعراض الصراع بدلًا من معالجة جذوره.

 

https://www.middleeastmonitor.com/20260929-gaza-and-the-future-of-middle-eastern-geopolitics-diplomacy-reconstruction-and-palestinian-statehood/